حيدر حب الله
25
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
ولا عرفاً بالهجرة ولا بالجهاد ولا بالغزو مع النبي ، ولا حتى بالإسلام بمعنى سوف نبيّنه ، ولا بالهجرة إلى الحبشة والعود بعد الحديبية ، فكلّ هذه المفاهيم لا علاقة لها بمفهوم الصحبة والصحابة ، وإنما هي ذات علاقة في ترتيب بعض الأحكام والآثار مثل العدالة مثلًا ، انطلاقاً من أنّ الأدلّة التي رتّبت تلك الآثار لم تدلّ على أزيد من هذه المساحة . وإلا فمفهوم الصحبة في نفسه لغةً وعرفاً وشرعاً يكفي فيه الملازمة وطول العلاقة بين الطرفين . وبهذا يصحّ إطلاق عنوان ( صاحب ) حينئذٍ ، حتى مع عدم الإسلام ، والاختلاف العقدي لا يمنع من إطلاق وصف الصحبة ، ولهذا وصفت الآيات القرآنيّة بعض الأنبياء بأنّهم أصحاب قومهم رغم الهوّة العقدية بينهم وبين قومهم ، قال تعالى : ( وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) ( التكوير : 2 ) ، وقال سبحانه : ( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ) ( النجم : 2 ) . نعم ، يدخل الشرع في تحديد المفهوم عندما يؤسّس لاصطلاح جديد ويتحوّل إلى حقيقة شرعيّة أخصّ أو أعم من الحقيقة اللغويّة ، فلو أثبتنا أنّ تعبير الأصحاب أو الصحابة أو الصحابي صارت له في عصر النبي حقيقة شرعيّة بحيث عندما يطلق يُتبادر منه إلى الذهن المعنى الخاص لا العام ، لكان يمكن هنا الأخذ بمرجعيّة الشرع ، فنحن نقبل بمرجعيّة الشرع عندما يكون هناك نصّ يدلّ على توسعة أو تضييق أو انتقال إلى معنى جديد له نحو مناسبة مع المعنى القديم ، مثل عنوان الصلاة والصوم ، أما مجرّد أن تأتي رواية « أصحابي كالنجوم . . » فهذه لا تؤسّس لمفهوم جديد للصحبة ، وإنّما ترتّب التوصيف المذكور فيها على عنوان أصحاب النبي بما يحمله من معنى لغوي وعرفي ، ولو فرضنا تقيدّها بقيدٍ ما في روايةٍ أخرى ، فهذا تقييد في الحكم بأن نقول مثلًا : مراده - بقرينة الرواية الثانية - بعض الأصحاب ، وهم فلان وفلان ، فهذا ليس تأسيساً لمفهوم جديد . وقد أشرنا فيما سبق إلى أنّ مصطلح الصحابة لا يُحرز أنّه صار حقيقةً شرعيّة في العصر النبوي ، ولا أنّه كان يطلق ويراد به أصحاب النبي من دون إضافة ، فإنّ هذا الأمر يحتاج إلى دليل ، لا سيما مع خلوّ النص القرآني عن هذا العنوان في حقّ أصحاب النبيّ .